ما هو الأيض وكيف تتحكم بمعدل الأيض في الجسم؟

"دكتور، أنا آكل وجبة واحدة فقط، وأمشي يومياً، ومع ذلك وزني لا ينقص غراماً واحداً!".. هذه العبارة هي واحدة من أكثر الشكاوى التي أسمعها يومياً في العيادة من المراجعين.

يعيش الكثيرون في دوامة من الإحباط بسبب ثبات الوزن رغم الالتزام الشديد بالأنظمة الغذائية. والحقيقة التي يجب أن تعرفها هي أن السمنة ليست مجرد معادلة بسيطة بين "الأكل والحركة" فقط. هناك "مايسترو" خفي يدير هذه العملية داخل جسمك، وهو ما نسميه طبياً معدل الأيض في الجسم (Metabolic Rate).

فهمك لطبيعة جسمك، وكيف يعمل معدل الاستقلاب في الجسم، هو أول خطوة حقيقية للعلاج، وليس مجرد اتباع ورقة ريجيم عشوائية. في هذا المقال، سأشرح لك بلغة طبية مبسطة ما يحدث داخل خلاياك، وكيف يمكنك التعامل مع بطء الحرق، ومتى يكون التدخل الطبي أو الجراحي ضرورياً لضبط زيادة الحرق في الجسم.

 

ما هو الأيض (التمثيل الغذائي)؟

ببساطة شديدة، الأيض ليس مجرد عملية الهضم كما يعتقد البعض. هو عملية كيميائية حيوية معقدة تحول الغذاء (السعرات الحرارية) إلى طاقة ليعمل الجسم.

حتى وأنت جالس تقرأ هذا المقال، أو وأنت نائم، جسمك يحتاج إلى طاقة مستمرة للقيام بوظائفه الحيوية التي لا تتوقف، مثل: التنفس، ضخ الدم من القلب، تنظيم الهرمونات، وترميم الخلايا التالفة.

كمية الطاقة التي يحرقها جسمك للقيام بهذه الوظائف الأساسية فقط تسمى معدل الأيض الأساسي (BMR). 

الأشخاص الذين لديهم معدل أيض مرتفع يحرقون سعرات أكثر حتى وقت الراحة، بينما الأشخاص الذين يعانون من بطء الأيض يميل جسمهم لتخزين الفائض من الطاقة على شكل دهون وشحوم، وهذا هو التفسير العلمي لسبب سمنة شخص ونحافة آخر رغم تناولهما نفس كمية الطعام.

التحكم بمعدل الأيض في الجسم

من هو الهرمون المسؤول عن عملية الأيض؟

سؤال يتكرر دائماً: "هل هرموناتي هي السبب؟". 

لا يوجد هرمون "واحد" فقط يحكم العملية، بل هي شبكة مترابطة من الغدد الصماء. أي خلل في أحدها يؤثر على معدل الاستقلاب في الجسم. إليك أهم اللاعبين الرئيسيين:

1. هرمونات الغدة الدرقية (Thyroid Hormones)

الغدة الدرقية الموجودة في الرقبة هي بمثابة "دواسة البنزين" لجسمك. هي تفرز هرموني (T3 و T4) اللذين يحددان سرعة عمل الخلايا.

  • إذا كانت الغدة نشطة، يكون الحرق سريعاً.
  • إذا كان هناك قصور (خمول)، يتباطأ معدل الأيض في الجسم بشكل كبير، مما يؤدي لزيادة الوزن، الشعور بالبرد، والإمساك.

2. الأنسولين (Insulin)

يفرزه البنكرياس. وظيفته الأساسية هي إدخال السكر للخلايا. لكن، عندما نتناول السكريات والنشويات بكثرة، ترتفع مستويات الأنسولين بشكل دائم، مما يعطي إشارة للجسم بـ "تخزين الدهون" ومنع حرقها. حالة "مقاومة الأنسولين" هي السبب الخفي وراء سمنة البطن وصعوبة نزول الوزن لدى الكثيرين.

3. الكورتيزول (هرمون التوتر)

يفرز عند الضغط النفسي أو قلة النوم. ارتفاعه المزمن يؤدي لتقليل الحرق وتراكم الدهون الحشوية (التي تحيط بالأعضاء).

4. هرمونات الجوع والشبع (البتين و الجريلين)

في حالات السمنة المفرطة، يحدث خلل في التواصل بين هذه الهرمونات والدماغ، فلا يشعر الشخص بالشبع رغم تناول كفايته، مما يرهق عملية الأيض.

 

كيف تسرع عملية الأيض في الجسم؟

هل يمكن فعلاً زيادة الحرق في الجسم؟ نعم، طبياً يمكننا تحسين كفاءة الحرق من خلال تعديلات محددة ومثبتة علمياً، بعيداً عن الوصفات التجارية غير المجدية:

  • بناء الكتلة العضلية: هذا هو العامل الأهم. العضلات نسيج "نشط أيضياً"، بمعنى أن الكيلوجرام الواحد من العضلات يحرق سعرات حرارية أكثر بكثير من كيلوجرام الدهون حتى وقت الراحة. تمارين المقاومة (رفع الأوزان) ضرورة طبية وليست كماليات لرفع الأيض.
  • زيادة حصة البروتين: الجسم يبذل طاقة لهضم البروتين (اللحوم، البيض، البقوليات) أكبر بـ 20-30% من الطاقة اللازمة لهضم الدهون أو الكربوهيدرات. هذا يسمى "التأثير الحراري للطعام".
  • الحركة غير الرياضية (NEAT): لا تعتمد فقط على ساعة النادي. تحرك خلال يومك، استخدم الدرج، امشِ أثناء التحدث بالهاتف. هذه الحركة البسيطة تمنع الجسم من الدخول في وضع "الخمول".
  • شرب الماء بانتظام: العمليات الكيميائية للحرق تحتاج لوسط مائي. الجفاف البسيط قد يبطئ معدل الأيض بنسبة 2-3%.
  • النوم الجيد ليلاً: النوم أقل من 6 ساعات يرفع هرمون الجوع ويقلل الحرق في اليوم التالي.

معدل الأيض في الجسم

هل من الممكن التحكم في عملية الأيض؟

من الناحية العلمية، معدل الأيض يتأثر بعوامل لا نملك تغييرها (مثل الجينات، العمر، والجنس)، وعوامل نملك تغييرها (النشاط، التغذية، والكتلة العضلية).

الخطأ الأكبر الذي نراه طبياً هو "الريجيم القاسي جداً" (تجويع النفس). عندما تقلل أكلك بشكل حاد ومفاجئ، يترجم الجسم هذا كنقوس خطر (مجاعة)، وتكون ردة فعله الدفاعية هي خفض معدل الاستقلاب في الجسم للحفاظ على الطاقة.

لذلك، التحكم الصحيح لا يكون بالتجويع، بل بـ "تنظيم" الوجبات وإقناع الجسم بأنه في أمان ليقوم بحرق مخزون الدهون.

 

هل تُعيد جراحة تكميم المعدة ضبط عملية الأيض؟

نصل هنا لنقطة جوهرية تخص مرضى السمنة المفرطة الذين فشلت معهم الطرق التقليدية. هل جراحة التكميم مجرد "قص للمعدة"؟

في الطب الحديث، لم نعد نسميها جراحات سمنة فقط، بل نطلق عليها "جراحات التمثيل الغذائي" (Metabolic Surgery). والسبب علمي بحت:

  1. إزالة مصدر الجريلين: عند استئصال قبة المعدة، يتم إزالة المركز الرئيسي لإفراز هرمون الجوع (الجريلين). هذا يقلل الشهية بشكل فسيولوجي وليس مجرد تصغير للحجم.
  2. تصحيح نقطة الضبط (Set Point): يعتقد العلماء أن لكل جسم "وزن معين" يدافع عنه الدماغ. السمنة المفرطة ترفع هذا المؤشر. جراحة التكميم تساعد في إعادة ضبط هذا المؤشر لأسفل، مما يسمح للجسم بتقبل الوزن الجديد.
  3. تحسين استجابة الأنسولين: نلاحظ تحسناً مباشراً في مستويات السكر ومقاومة الأنسولين بعد الجراحة بفترة قصيرة، مما يعني أن معدل الأيض في الجسم بدأ بالعودة لمساره الطبيعي الصحي.

لذلك، الجراحة ليست الحل "السهل"، بل هي الحل "العلاجي" لخلل فسيولوجي وهرموني يمنع المريض من ممارسة حياته بشكل طبيعي.

نصيحة أخيرة.. ابدأ التشخيص

صعوبة فقدان الوزن ليست دليلاً على ضعف إرادتك، بل قد تكون إشارة من جسمك بوجود خلل في معدل الأيض أو مشكلة هرمونية تحتاج لتدخل متخصص. التعامل مع الجسم بعشوائية قد يزيد المشكلة تعقيداً.

الخطوة الصحيحة تبدأ دائماً بالفحص الطبي، تحليل مكونات الجسم، وفهم الأسباب الحقيقية وراء السمنة لوضع الخطة العلاجية المناسبة، سواء كانت غذائية أو دوائية أو جراحية.

للحصول على تقييم طبي دقيق لحالتك، ومناقشة الخيارات العلاجية الأنسب لطبيعة جسمك ومعدل الحرق لديك، يمكنك التواصل وطلب استشارة من د. علي الشيخ، أخصائي الجراحة العامة وجراحة السمنة.

مقالات ذات صلة